الاثنين، 7 نوفمبر 2016

هل استفاد حزب العدالة والتنمية من التصويت العقابي؟

تعتبر الانتخابات بشتى أنواعها، سواء التشريعية لاختيار ممثلي الأمة في البرلمان، أم الجهوية المتعلقة بالتصويت على أعضاء مجالس الجهات، أم المحلية، الخاصة  بالاقتراع على مسيري الجماعات الترابية، آلية حضارية حديثة، ومتقدمة لممارسة الحقوق الفردية للأشخاص؛ أي المواطنين والمواطنين، البالغين السن القانونية للتصويت، وهي من مظاهر الديموقراطية في المجتمعات العريقة والمتطورة؛ حيث يفسح المجال بكل حرية أمام الناخبين والناخبات، للتعبير عن إرادتهم، والتي تجسد في المحصلة، ما يريده الشعب عبر تفويض مسؤولية التمثيل، والانتداب، لمن يتم اختياره لهذه الغاية ...
غير أن تحليل فعل التصويت باعتباره ممارسة لا تقع إلا خلال خمس سنوات؛ كما هو جاري به العمل بمقتضى القوانين التنظيمية في المغرب، يجعل الباحث أمام سلوكات انتخابية جديرة بالتحليل والتأويل؛ نظرا لتبايناتها، وتأبيها الانقياد للأعراف، والخضوع للمنطق، وخرقها للتكهنات، وتكسيرها أفق انتظار المتابع والملاحظ والمواطن على حد سواء ..
إن الذين يملكون، واللائي يملكن حق المشاركة  في الاقتراع في المغرب أنواع عديدة، منهم غير المسجلين في اللوائح الانتخابية، وهؤلاء ليس لهم حق الإدلاء بأصواتهم يوم الاقتراع بموجب القانون، ومنهم المسجلون في اللوائح الانتخابية، ووسط فئة المسجلين رسميا بالقوائم الانتخابية، نلمس لديهم سلوكات انتخابية متعددة بحسب الوسط الاجتماعي، والمستوى الثقافي، ناهيك عن الانتماء السياسي، فمنهم المقاطعون للانتخابات، ويمكن إضافتهم لغير المسجلين عند الحديث عن ظاهرة العزوف عن التصويت، وهناك المصوتون بحسب الانتماء الحزبي، وهناك الذين يدلون بأصواتهم ضد الأحزاب التي سبق لهم أن منحوا ثقتهم لمرشحيها، أو التي كانوا يتعاطفون معها، وهذا النوع،  يمكن تسميته بالتصويت العقابي.
سنقتصر على هذا المظهر البارز من السلوك الانتخابي، والذي تم رصده في الانتخابات الجهوية والمحلية، التي نظمت يوم الرابع من شهر شتنبر2015 بالمغرب، يتعلق الأمر بالتصويت العقابي للناخبين ضد المرشحين والأحزاب التي نالت ثقة المصوتين في  الانتخابات الجماعية لـ 2003 . 
لا يهمنا في هذا المقام أن نبحث هاته الظاهرة في حد ذاتها، بل سنركز على علاقتها المباشرة بنتائج انتخابات الرابع من شهر شتنبر 2015، أي عن تأثيرهما البين في النتائج المحصلة...
لابد من الإشارة في البدء إلى أن الاصطفاف من لدن الفرقاء السياسيين، أي الأحزاب الرسمية المشاركة في اقتراع الرابع من شهر شتنبر 2015، قبل انطلاقة الحملة الانتخابية، وإبان إعداد قوائم المترشحين والمترشحات، قد تم على أساس فسيفساء المشهد السياسي المغربي؛ مجسدا في فريقين بارزين متنافسين داخل حلبة التدافع الحزبي، يتعلق الأمر، بفريق الأغلبية الحكومية بقيادة حزب العدالة والتنمية، رفقة أحزاب الحركة الشعبية، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب التقدم والاشتراكية.
أما الفريق الثاني، فيتألف من مكونات المعارضة البرلمانية للحكومة، ويتعلق الأمر بحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب الاصالة والمعاصرة، وحزب الاتحاد الدستوري...
لقد راهنت أحزاب المعارضة خلال الحملة الانتخابية على هزيمة الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي، لأنها وفق منظور زعماء هذه الأحزاب، قد أخفقت بعد زهاء ثلاث سنوات ونصف من التدبير الحكومي، في الاستجابة للمطالب الواسعة، والكثيرة للمواطنين والمواطنات، والتي تم التعبير عنها في برامجها الانتخابية بمناسبة الانتخابات التشريعية 2011، وهو فشل حسب تصور أحزاب المعارضة، تتحمل فيه الأحزاب المشاركة في التحالف الذي يقوده حزب العدالة والتنمية المسؤولية كاملة...
لقد توقعت أحزاب المعارضة بأن يصوت الناخبون والناخبات ضد أحزاب الأغلبية الحكومية، وحزب العدالة والتنمية خاصة، تصويتا عقابيا، بسبب التذمر الهائل وسط جميع فئات المجتمع لاسيما الشباب، بسبب ارتفاع نسب البطالة في عهد هذه الحكومة، ناهيك عن الزيادات التي طالت المحروقات، مما انعكس على منظومة الأسعار، وأدى إلى غلاء المواد الأساسية التي يتوقف عليها المعيش اليومي للمواطنين والمواطنات، وهي المشاكل والمآزق التي سعت المعارضة خلال حملاتها الانتخابية استثمارها بشكل جيد للتأثير في الناخبين، وثنيهم عن التصويت على مرشحي أحزاب الأغلبية الحكومية، وفي المقدمة حزب العدالة والتنمية ، لكن أحزاب المعارضة غاب عن تقديراتها أن الانتخابات الجماعية والجهوية ليست امتحانا لمدى نجاح الحكومة في تنفيذ السياسات العمومية المحققة للتنمية، أو فشلها، بقدر ما هي محاسبة من لدن الناخبين والناخبات، للذين دبروا شؤونه المحلية والجهوية خلال الفترة التي تلت آخر انتخابات عرفتها البلاد في 2009؛ أي من 2009 إلى 2015.
إن المحاسبة يجب أن تشمل الأحزاب السياسية التي سيرت المدن المغربية الكبرى من خلال رئاسة المجالس البلدية والقروية، أما محاسبة الحكومة فيمكن الحديث عنه خلال الانتخابات التشريعية التي يتم تكليف الحزب الفائز خلالها بأغلبية الأصوات بتشكيل الحكومة كما هو منصوص عليه في دستور البلاد.
لقد أرادت أحزاب المعارضة استغلال بطء الإصلاحات الحكومية، وتعثر بعضها، بسبب بعض الإكراهات الخارجية والداخلية، لإيهام الناخبين بأن الأحزاب التي تشارك في الحكومة، إن كانت عاجزة عن الاستجابة لمطالبة الملحة والآنية من خلال موقع المسؤولية الحكومية، فهي أعجز عن الالتزام والتطبيق من خلال موقع الانتداب الجهوي والمحلي؛ لكن يقظة الناخبين والناخبات، والإشارات القوية التي بعث بها  الخطاب الملكي للشعب بمناسبة ذكر ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2015، والذي فصل بين عمل الحكومة والمجالس المنتخبة، كل ذلك كان له تأثيره الخاص لدى الناخبين والناخبات ..
لقد امتد التصويت العقابي الذي كانت ترغب المعارضة بأن يشمل أحزاب التحالف الحكومي، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب المغربي، بعض مكونات المعارضة نفسها، لاسيما وحزب العدالة والتنمية لم يكن مهيمنا على المجالس المحلية البلدية والقروية بعد انتخابات 2009، ولم يتورط منتخبوه في فضائح الفساد وسوء التدبير بالجماعات الحضرية والقروية .
لقد ضاعف حزب العدالة والتنمية عدد مقاعده في انتخابات الرابع من شتنبر 2015 ثلاث مرات مقارنة مع الانتخابات المحلية لـ2009، والأهم في هذه الانتخابات الجهوية والمحلية، أن العدالة والتنمية، الحزب المشكل للحكومة مع ثلاثة أحزاب أخرى، حصل على أعلى عدد من الأصوات في الانتخابات الجماعية، وعلى خمس جهات من أصل اثنتى عشرة جهة ...
وهذا ما دفع بعض الباحثين والمتابعين للشأن السياسي المغربي، للقول إن حزب العدالة والتنمية خرج فائزا سياسيا في هذه الانتخابات، على الرغم من كون حزب الأصالة والمعاصرة هو الحاصل على العدد الأكبر من المقاعد في اقتراع الرابع من شهر شتنبر2015، وشتان ما بين الفائز سياسيا، والفائز انتخابيا؛ لأن أثر الفوز العددي، معرض للزوال والنسيان والمحو من ذاكرة الناخبين والناخبات، أما الفوز السياسي فممتد في المستقبل، والأهم هو إمكانية تأثيره التوجيهي للناخبين خلال الانتخابات التشريعية لـ 2016.
قامت أحزاب التحالف الحكومي، وحزب العدالة التنمية بشكل أكبر، بالدفاع عن وجودها في الساحة خلال الحملة الانتخابية؛ عبر فضح ممارسات عمداء المدن والمنتخبين السابقين الذين واللائي تقاعسوا عن خدمة المواطنين والمواطنات، ورفع حزب العدالة والتنمية لهذا الغرض شعار: " صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح" ، مثلما وظفت أحزاب المعارضة خلال حملاتها الانتخابية الأداء الحكومي لأحزاب الأغلبية، لاسيما مردودية حزب العدالة والتنمية الذي كان يرفع شعار" صوتنا فرصتنا لمحاربة الفساد والاستبداد" .
وقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن يبعد أحزابا عتيدة كانت تسيطر على كبريات المدن الحيوية بالمغرب خارج أسوارها، وفي المقدمة مدينة الدار البيضاء، وهيمن على مدن جهات كبرى مثل الرباط ومراكش وفاس ودرعة تافيلالت، كما أنه تمكن من هزم غريمه الكبير حزب الاستقلال الذي كان حليفا له في التشكيلة الحكومية الأولى لما بعد انتخابات 2011، واستطاع إبعاد الأمين العام لحزب الاستقلال من قلعته الحصينة فاس التي ظل عمدة لمدينتها لما يزيد عن عشر سنوات، كما أن حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض  لم يستطع الحفاظ على مقاعده التي حصدها في انتخابات 2009، وكذلك حزب الاتحاد الدستوري.
الفائز الوحيد في المعارضة هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي حل أولا، لكن مع تسجيل تركز فوزه في البوادي والعالم القروي بعدما هيمن مرشحو حزب العدالة والتنمية على الحواضر الكبرى .

نستنتج في ضوء المعطيات السابقة أن أحزاب المعارضة قد فشلت في تقزيم حضور حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي عبر آلية الانتخابات الديموقراطية، كما أن رهانها الكبير على إرباك الحزب ذي المرجعية الإسلامية في المدن والجهات المغربية الكبرى، قد باء بفشل ذريع، وقد مكنت هذه النتائج المفاجئة بالنسبة للمتتبعين والسياسيين، حزب العدالة والتنمية من التغلغل، وبسط نفوذه ليس وسط أتباعه والمتعاطفين معه وما أكثرهم، بل برهن من خلال حضوره، وفوز مرشحيه ومرشحاته الكاسح في خمس جهات كبرى، على امتداد قاعدة المواطنين والمواطنات الذين أصبحوا يثقون بخطاب هذا الحزب وجرأة زعيمه، الذي أثبت نظافة مرشحيه من شبهات الفساد، ناهيك عن تمتع أجهزته التقريرية بالمصداقية والنزاهة والتنظيم الجيد ... لقد قرر الناخبون والناخبات طواعية التصويت على مرشحي حزب العدالة والتنمية عقابا لمن تعاقبوا على تدبير الشؤون الجهوية والمحلية للمواطنين، دون قدرتهم على تحسين ظروف العيش، والاستجابة للمطالب المتعددة والحقوق المشروعة...لقد أرادت المعارضة إضعاف خطاب مرشحي الأغلبية الحكومية باستعمال ورقة الحصيلة الحكومية التي تراها باهتة وغير كافية بتاتا، فانقلب الأمر ضدها حين استطاعت الأغلبية وحزب العدالة والتنمية بشكل أساسي، تدبير حملته الانتخابية بقيادة أمينه العام، عبد الإله بن كيران الذي وفق بين مهمته الرسمية، أي رئاسة الحكومة، وبين زعامته لحزب العدالة والتنمية، حيث هو الأمين العام الحزبي الوحيد الذي تنقل عبر طائرة خاصة بين المدن الكبيرة والصغيرة ، وجاب نقاطا ساخنة واستطاع إقناع الجماهير الغفيرة التي حجت لمتابعة خطاباته الحماسية التي يجنح فيها للعفوية والبساطة والقدرة الفائقة على الارتجال، لقد باح بصراحة وشفافية  وأبان للناس على اختلاف طبقاتهم، سواء الفقيرة أم المتوسطة وحتى البورجوازية، التي صوت عليه بعض المنتسبين إليها، بأنه لم يحقق كل ما كان يصبو إليه، وأنه محتاج لدعم الجماهير لمواصلة الإصلاح ومحاربة الريع والفساد ، ودعا الناخبين للتصويت على الأصلح من المرشحين . 
لماذا لم تحقق ديموقراطيتنا الإقلاع المأمول ؟


خلال الحراك الشعبي العارم الذي عرفه عالمنا العربي مشرقه ومغربه، كانت طموحات الجماهير، وعموم الموطنين والمواطنات، كبيرة وهائلة، كما أن سقوف المطالب كانت تطاول عنان السماء، وكان الكل يراهن على الخيار الديموقراطي الحداثي من أجل تحقيق الطفرة الكبرى التي بمكنتها إلحاق أمتنا وشعوبنا بمصاف الدول الرائدة في الاقتصاد، والاجتماع، والسياسية، ناهيك عن الثقافة والحضارة، غير أن انتقال سِيَاسِيِينا، وأحزابنا، وائتلافاتها وتحالفاتها، من حيز الوجود بالقوة إلى مجال الوجود بالفعل، أظهر بالملموس بعد سنوات غير يسيرة من ممارسة تدبير الشأن العام، أن الهوة لاتزال عميقة وسحيقة، بين المأمول والمتحقق على أرض الواقع؛ بين المشروع المجتمعي الكبير والواعد، والمنجز فعليا على أرض الميدان؛ بين الشعارات الرنانة والهائلة، وإكراهات مواجهة المطالب اليومية؛ مما أصبح يدفع المتابعين والملاحظين، والرأي العام، إلى التساؤل الجدي والجذري، حول جدوى إرساء الديموقراطية في بلداننا العربية بعد عملية التغيير، وعن فوائدها المادية الملموس على أرض الواقع .
لماذا فشلت النخب السياسية، التي كانت مبعدة ومهمشة قبل هبوب رياح الربيع العربي، عن تحقيق الإقلاع الاقتصادي والرفاه الاجتماعي الذي ظلت الشعوب، والطبقات المتضررة في مجتمعاتنا العربية تحلم به، وتتوق لنسائمه ورياحينه؟   
هل من المعقول البحث عن حصائل للديموقراطية في عالمنا العربي والإسلامي، وفسيلتها لازالت حديثة العهد بتربة بيئتنا ومناخها المتقلب وغير القار ؟
هل المظاهرات والاحتجاجات التي أصبح لا يخلو منها أي قطر، أو مدينة، أو شارع في مدننا العربية، لاسيما تلك التي تفاعلت مع التحولات الجارفة والمتسارعة؛ التي أتت بفعل موجة الربيع العربي، دليل على إصابة الناس بخيبة أمل بعد عقود من الانتظار القاتل ؟
أين يكمن الخلل، هل في الديموقراطية ذاتها، أو في النخب السياسية التي حملت مشعل التسيير في عالمنا العربي؟
لابد من التحذير في البدء بأن إجراء المقارنة بين الغرب وعالمنا العربي بالنظر إلى المستويات القياسية التي  بلغها على الأصعدة كافة، ليست صحيحة وموضوعية إذا حاولنا من خلالها الربط الآلي بين الديموقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق هناك...ذلك أن الغرب المتقدم الآن، لم يبلغ هذا الشأو البعيد من الازدهار، من جراء ارتفاع نسب النمو المحققة؛ بمجرد تبنيه الخيار الديموقراطي نهجا سياسيا، بل من خلال جهود كبيرة وكثيرة ومضنية دامت آمادا زمنية بعيدة ...
وبناء عليه، فالإقلاع الاقتصادي وانعكاساته الإيجابية على مجالات الحياة كلها، وفي المقدمة المجال الاجتماعي، ليس رهينا بمدى إرساء الديموقراطية خيارا سياسيا لا رجعة فيه، بل من خلال سعي الدول الرائدة اليوم في الغرب المتطور إلى الإعلان عن ثورة صناعية واقتصادية وثقافية بشكل متكامل وفي أحياز زمنية متقاربة للغاية.
هل تتوفر مجتمعاتنا وبلداننا العربية على الشروط نفسها ؟
إن استعجال الجماهير العربية، وعموم المواطنين والمواطنات، محاصيل استنبات الديموقراطية في عالمنا العربي، وبحثهم عن النتائج المرضية والمقنعة التي يمكنها تحقيق إقلاعنا الاقتصادي؛ مما يمكن فئات المجتمع، على تنوع طبقاتها من العيش الكريم، وتحقيق الاكتفاء، وارتفاع الناتج الداخلي الخام للإفراد، ليس مقدورا عليه في بضع سنين من بدء عملية الانتقال الديموقراطي .
لماذا ؟
من الإنصاف في البدء القول إن الأحزاب السياسية التي آلت إليها مقاليد التدبير الحكومي بعد الربيع العربي في الدول التي استجابت للحراك الاجتماعي والجماهيري، قد حالت حواجز داخلية وخارجية، بينها وبين بلوغ أهداف الديموقراطية البعيدة المدى، والمتمثلة أساسا في الارتقاء بالمعيش اليومي للطبقات والفئات المحرومة، ومحاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية، وتوفير السكن اللائق للعاجزين عن اقتنائه بأسعار باهضة، ناهيك عن إيجاد مناصب الشغل لعشرات بل مئات المعطلين وخريجي الجامعات ومؤسسات التكوين، دون أن نغفل توفير البنيات التحتية الضرورية واللائقة للاستشفاء المجاني ...دون نسيان القدرة على تخفيض عجز الميزان التجاري، والتخفيف من عبء الدين العمومي للخارج...إلخ.
لقد تسلمت كثير من الحكومات المنتخبة دستوريا زمام التدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي وسط ظروف اقتصادية صعبة، سواء في الداخل أو في الخارج...لقد تزامن الربيع العربي مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت باقتصادات عالمية في أوروبا وأمريكا، كما أن الأحوال الاقتصادية الداخلية للبلدان العربية التي شهدت تحولات سريعة ، لم تكن في أحسن حال ...
هذه الوضعية الاستثنائية كان تقابلها رغبات عارمة للمواطنين والمواطنات الذين سئموا سنوات التدبير الأحادي الذي ظل غارقا في البيروقراطية المقيتة والفساد والزبونية واقتصاد الريع ...إلخ
لم تكن الطريق سالكة إذا أمام الهيآت السياسية التي حازت تأييدا شعبيا عارما بعد تنظيم أول انتخابات تشريعية نزيهة وذات مصداقية في البلدان التي تجاوبت مع موجة الربيع العربي .
لكن هل كانت الأحزاب السياسية الفائزة في أول انتخابات تشريعية مشهود لها بالشفافية في عالمنا العربي، مُهَيأة نفسيا وسياسيا لممارسة مهام التسيير والتخطيط والتنفيذ على أعلى مستوى، علما أن جلها أمضى سنوات ذوات العدد في مقاعد المعارضة البرلمانية، وبعضا الآخر كان قابعا إما في السجون أو في المنافي  ؟
ولو افترضنا أن تلك النخب السياسية كانت فعلا على استعداد للاضطلاع بالمهام الجديدة المترتبة عن الفوز في الانتخابات التشريعية، وتشكيل الحكومات، فهل توفرت لها الطاقات والخبرات من الأطر، والكوادر المدربة، والمؤهلة، لمباشرة العمل الحكومي في الوزارات ؟
إن الظروف الاقتصادية الاقليمية والدولية التي انبثقت فيها الحكومات الجديدة ما بعد الربيع العربي، لا تقتضي أن نتوفر على أحزاب سياسية ونخب وكوادر لهم جميعا القدرة والكفاءة على تحمل المسؤولية الجديدة، بل من الضروري والمؤكد أن تكون لدينا طبقة سياسية من المدبرين الأكفاء؛ الذين يملكون كفاءات خاصة؛ ومهارات استثنائية؛ من أجل قيادة مشاريع الإصلاح خلال الأزمات الاقتصادية، وامتلاك روح المبادرة لتجاوز العقبات والمثبطات ...
مع الأسف الشديد، لم يستطع الفاعلون السياسيون الذين نالوا ثقة شعوبهم خلال التشريعيات، من تجاوز الوضعية المأزومة التي تسلموا فيها مقاليد تدبير الشأن العام.. وقد آثر بعضهم تعليق فشله على مشجب المعارضة السياسية في البرلمان، أو ربطه بالعراقيل التي تضعها مجموعات الضغط التي كانت لها مصالح ترى في الكيانات السياسية الجديدة تهديدا لمصالحها المتجذرة ...
إن الحصائل المتواضعة نتيجة البطء الشديد والقصور البنيوي في مجابهة معضلات التنمية في بلداننا العربية التي تفاعلت مع موجة الربيع العربي، كل ذلك ساهم في صناعة تمثلات سوداء قاتمة لدى المواطنين والمواطنات الذين لم يلمسوا تغييرات عميقة في حياتهم اليومية على الرغم من كون الطبقة السياسية التي نالت ثقتهم هي التي بيدها أمر تسيير وتدبير  القطاعات الاقتصادية والاجتماعية التي لها أثرها البين على معيشة المواطنين ورفاهيتهم ....
النتيجة المحزنة التي يمكن أن يصطدم بها الرأي العام في مجتمعاتنا العربية؛ تتمثل في كون الديموقراطية ليست حلا سحريا لجميع مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية...
إن الديموقراطية سلوك حضاري وممارسة راقية لا يمكنها أن تصلح بمفردها ما أفسدته سنوات التردي والتخلف والاستبداد وسوء التدبير ونهب الثروات والخيرات...
إن ما أخشاه على مجتمعاتنا العربية، سواء السياسيين المدبرين والشباب، أن تظل متشبثة بظاهر الحضارة الغربية وقشورها، غير قادرة على استثمار إنجازاتها العلمية والتكنولوجية والثقافية...وغير مؤهلة لتوظيف الإمكانات التي يتيحها الخيار الديموقراطي من أجل بعث الدينامية الاجتماعية والاقتصادية.
 ولئلا ننشر التشاؤم بين الناس، يجب الاعتراف بأن تبني الديموقراطية في عالمنا العربي، خيارا استراتيجيا في التداول على السلطة، يعتبر مدخلا سليما وصحيحا في السياق الراهن، لكن وجب الاعتراف بالمقابل بأن الديموقراطية بمفردها، مثل حسن النوايا، لا يمكنها أن  تؤول بمجتمعاتنا لبر الأمان والرخاء والازدهار ...
علينا أن نعتبر إرساء الديموقراطية وقيمها الكونية في بلداننا الباحثة عن التنمية المستدامة، نقطة انطلاق أساسية، لكن من الضروري أن تواكبها وتسير  بموازاتها، نهضة شاملة للقضاء على الأمية الحرفية والأمية الثقافية والأمية التكنولوجية، إضافة إلى حاجاتنا اليوم في العالم العربي، إلى كفاءات سياسية واقتصادية لها قدرات خاصة على التخطيط والتدبير والتنفيذ، من أجل الانطلاق من أوضاعنا والانتقال إلى النماذج المتطورة في الاقتصاد والتنمية مثلما حصل مع الدول الأسيوية التي يطلق عليها النمور الأربعة تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ وكوريا الجنوبية ...
إن مأساتنا اليوم ونحن نتبنى الديموقراطية سلوكا سلميا وحضاريا في التداول على السلطة دون تحقيق مستويات النماء والتقدم المطلوبين، أخطر وأعمق من أحوالنا في الماضي؛ حيث كان الرأي الواحد الانفرادي الأكثر سيادة وهيمنة.
medbenlahcen@gmail.com




الإرهاب لا دين له ولا وطن ؟

كلما هز تفجير ‘إرهابي غاشم أي نقطة في العالم، أو أي قطر من الأقطار، أو أي قارة من القارات، سواء آسيا (أفغانستان، باكستان، العراق، سوريا، السعودية الكويت، لبنان...) أو أمريكا (الشمالية)، أو أورربا (فرنسا)، أو إفريقيا (تونس، مالي، نيجيريا)...إلخ، إلا وتكاثرت التحليلات والتفسيرات، والقراءات، بِعَدَد التنديدات والاستنكارات، وجميع أشكال الشجب والإدانة، وربما في بعض الأحيان نصادف تضخما في فعل القراءة، إن لم نقل القراءات المُؤَوِلة والتأويلية للظاهرة الإرهابية، وهذا التعدد القرائي/ القراءاتي، ظاهرة في حد ذاتها، تجسد وجها آخر للاحتجاج ضد السلوك الإرهابي الذي لا يميز مع الأسف الشديد، بين  الكبير والصغير، بين المتدينين وغيرهم، بين العرب والغربيين، بين الأفارقة والأسيويين، بين بني البشر على هذه البسيطة حيثما كانوا أو وجدوا !!
ما يهمنا في هذا المقام، هو التنبيه على الشطط والتعسف الكبيرين اللذين تسربا لكثير من الآراء والرؤى، خلال مقاربة الظاهرة الإٍرهابية، أو السلوك الإرهابي عموما، ولا ندري هل التهجم على بعض الديانات دون أخرى، والإشارة بالأصابع لبعض الجنسيات دون غيرها، بمناسبة التفاعل والانفعال، وبسبب الوقوع تحت تأثير مخلفات الفعل الإرهابي المدان من جميع البشر، ومن كل الأديان، والمنظمات، والهيآت الدولية والأهلية والمحلية...هل يعتبر كل ذلك التعسف في الإشارة إلى المتورطين في الفعل الإرهابي وانتماءاتهم الجغرافية والعقدية، يمكن عده فَهْمًا عفويًا وتلقائيًا للظاهرة خلال حدوثها مقترنة بالمؤشرات المأخوذة من سياق مسرح الجريمة الإرهابية، وَهُوِيَّةِ المتورطين المباشرين فيها، إضافة إلى انتماءات المساعدين والمدبرين، والمخططين المفترضين لها ؟
بالأمس القريب حين  كان الإرهابيون الظلاميون يفجرون عبواتهم الناسفة والغادرة بمساجد باكستان، كان كثير من الناس يقولون إن الأمر لا يشكل خطرا على العالم الذي يوجد بمنأى عن هذه الصراعات المذهبية والدينية التي تبقى محصورة في جغرافيتها الضيقة، لماذا؟
 لأن باكستان وجارتها أفغانستان، لا زالتا  كما يظن ويفترض، واقعتين تحت ضغط الصراع الطائفي، والانتقام الديني الذي يمارسه السنة ضد الشيعة أو العكس، هذا أمر معروف في هذه المنطقة العالية التوتر بسبب التباينات الدينية الطائفية والمذهبية؛ لاسيما بعد قيام الدولة الباكستانية مستقلة عن دولة الهند الهندوسية. لكن ما أن قام الإرهابيون بتفجير مسجدين بالسعودية (الجمعة 29ماي2015)، والكويت (الجمعة26 يونيو 2015)، حتى تبين أن ما يقع باكستان ليس ببعيد عن دول الجوار، وعن العالم كله، وأن منفذي الاعتداءات الإرهابية قادرون على القيام بسلوكات مماثلة؛ متى ما توفرت لهم الظروف المواتية، إننا هنا أمام ظاهرة  هجرة الجريمة الإرهابية من دول إلى أخرى ...نحن أمام ظاهرة عابرة للحدود والقارات !!
هذا الفهم العميق للظاهرة الإرهابية والسلوك الإرهابي، كان في أمس الحاجة للبراهين المقنعة، والحجج الدامغة، من أجل استيعاب مقاصده ومخططاته وعقائده التي تتعدى الصراع الطائفي الضيق بين مذهبين دينيين متعارضين؛ الشيعة والسنة، أو بين ديانتين مختلفتين؛ كالإسلام والمسيحية، بالنسبة لبؤر التوتر التي تشهد تناحرا بناء على الديانة، إلى ما هو أبعد من ذلك وأخطر ...
إن التفجير الإٍرهابي المقيت الذي زلزل مدينة سوسة التونسية (الجمعة26 يونيو 2015) ضد عدد هام من السياح الأجانب، والذي أتى متزامنا مع الهجوم الوحشي ضد مسجد للشيعة في الكويت،  والهجوم على مصنع للغاز بفرنسا،  يعزز قولنا بتطور السلوك الإرهابي، وتنامي الظاهرة الإرهابية، التي أصبحت عالمية بفعل تعدد المنفذين، وتنوع جنسياتهم، ناهيك عن بلدانهم والقارات التي ينتمون إليها...
إن ظاهرة الإرهاب اليوم، لم تعد تحركها دوافع مذهبية أو طائفية فقط؛ بل أصبحت توجهها وتتحكم فيها بؤر التوتر في العالم؛ لاسيما بعد قيام ما يسمى بتنظيم الدولة " داعش" في العراق والشام ...والذي أضحى لا يركز على دول الجوار في الشرق الأوسط، بل امتد نفوذه ومخططاته إلى شمال إفريقيا وأوروبا ...
ولعل الهجومات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت العاصمة باريس؛ دليل آخر على أن الإرهاب غدا ظاهرة عابرة للحدود والقارات ....
هجومات باريس التي نفذها حسب السلطات الفرنسية شباب من جنسيات أوربية وأصول مغاربية، وشارك فيها أشخاص يشتبه في حملهم جوازات سفر سورية أي؛ من المهاجرين الذين عبروا الحدود اليونانية باتجاه أوروبا الغربية، مؤشر قوي على أن الظاهرة الإرهابية، لم يعد مسرحها محصورا في مناطق النزاعات والتوترات لاسيما في العراق والشام، بل إن هذه البؤر الملتهبة بفعل نشاطات التنظيمات الإرهابية التي تضم عناصر من العالم بأسره تقريبا، يمكننا القول إنها غدت رافدا للإرهابيين المتأهبين لنقل أفعال تنظيماتهم المسلحة خارج حدود منطقة الشام والعراق، فكما أن الحرب على الإرهاب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أصبحت دولية بفعل مشاركة دول العالم في هذه الحرب، لاسيما القوى العظمى، كذلك الجماعات الإرهابية في هذه المناطق المشتعلة، غدت عنصر جذب لكثير من الشباب في العالم العربي والإسلامي والغربي على السواء ...
إن العبر المستخلصة من خلال ما وقع في باريس، وفي تونس والسعودية والكويت ولبنان ونيجيريا وليبيا...إلخ، يجب أن تحملنا على الامتناع عن حصر مصادر السلوك الإرهابي في  العالم العربي والإسلامي فقط، كما أن استعمال بعض المهاجمين لعبارات تمت للدين الإسلامي بصلة، من قبيل ما قيل عن تكبير بعض المشاركين في تفجيرات باريس، كل ذلك لا يجب في نظري أن يتخذ ذريعة لإلصاق التهم بالدين الإسلامي وهو منها براء، لأن الإسلام لا يدعو  لقتل الأبرياء بل إلى حسن معاملتهم ؛ مصداقا لقوله تعالى:
كما أن استغلال بعض الصحافيين أو بعض المنظمات والأحزاب في الغرب، البلدان الأصلية العربية والمغاربية التي ينحدر منها بعض الإرهابيين المتورطين في تنفيذ الهجمات الإرهابية المدانة والمرفوضة والمستبشعة، في تجاهل مقصود للجنسيات الأوروبية التي يحملونها بحكم ولادتهم في بلدان المهجر، من أجل الدعوة لطرد العرب والمسلمين من بعض الدول الغربية، كل ذلك لن يساعد على إيجاد الحلول الحقيقية والإجرائية لانتشار الظاهرة الإرهابية التي تستمر في استقطاب الشباب في العالم .
إن الفصل بين الأصول والجغرافيات التي ينحدر منها بعض المتورطين في السلوك الإرهابي سواء في منطقة الشام والعراق، أو في العالم بأسره، والوعي العميق والصحيح بخطورة الزج بالأديان عامة، والدين الإسلامي خاصة، في أتون الأفعال المشينة التي يأتيها المشاركون في العمليات الإرهابية، كل ذلك من شأنه تعبئة العالم بجميع جنسياته وأديانه في الحرب التي تعلنها البشرية ضد العنف والإرهاب وإزهاق الأرواح بغير حق ...
إن على العالم الحر، والمنظمات الدولية، وجمعيات المجتمع المدني، التحالف معا من أجل اسئتصال النزوعات الإرهابية، ومحاربة التنظيمات التي تعتقد بأنها قادرة على ترهيب الأبرياء حيثما وجدوا باستعمال السلاح والعنف .

إن الإرهاب اليوم لم يعد ظاهرة محلية مرتبطة ببيئة جغرافية محدودة، وليس تعليمة من تعاليم عقيدة ما، أو مذهب أو دين، كما يسعى بعض المتورطين في الأفعال الإرهابية توهيمنا، إن الإرهاب لادين له ولا وطن

اللاديموقراطية في عالمنا العربي

الديموقراطية تمرين صعب وشاق وطويل، هيهات أن يكون بمكنتنا نحن العرب، استنبات بذورها وجذورها في تربتنا العربية القاحلة والجافة بسهولة وسلاسة ويسر؛ وذلك  بسبب طول سنوات الجفاف العجاف !! لاسيما وتربتنا ليست بيئتها الأصلية الحقيقية ....
إن الديموقراطية، أوسع باعا، وأشد ذراعا، و أكبر مجالا، وأسمى فكرا، وأنبل مقصدا، فلن تهب على عالمنا العربي بين عشية وضحاها؛ مثل الكتل الهوائية الرطبة والباردة التي تأتي من الغرب محملة بأمطار الخير في رمشة عين، أو هي شيء يمكن استنباته من خلال تقنية " نسخ " " لصق " التي يعشقها بعض طلبتنا اليوم؛ لاسيما في ظل التدفق الهائل للمعلومات التي تصب على الشرق من وراء البحار !!
الديموقراطية قبل أن تصير عندهم ممارسة حقيقية واقعية وفعالة، بدأت فكرا وعقيدة ومذهبا، آمن الناس بوجودها، وثابروا لإخراجها لحيز الوجود بالفعل بعدما كانت ثاوية فيه بالقوة ...
لم تكن الطريق إليها عندهم يسيرة سالكة؛ بل إن الدول الأوروبية على سبيل المثال،  قدمت تضحيات جسام بعد ثورات مشهودة،  غيرت أفكار الناس ورؤيتهم للأمور، وجعلتهم يتخذون  موقفا من الاستبداد والاعتداء على حقوق الإنسان ...وحريته و وجوده الاعتباري.
هل بمكنتنا نحن العرب، أن نطأ سطح الديموقراطية،  وأن نحلق في سمائها، ونحن لا نؤمن بسياقها ومساقها ومظانها في بيئتها التي نشأت وترعرعت بها ؟
وهنا لا نعمم الرأي والحكم والوصف؛ كما يقتضي التفكير العلمي قبل الممارسة .
علما أن كثيرا من بني جلدتنا، وأخوتنا العربية، لازالوا يعتقدون أن الديموقراطية لا تعدو كونها تقليعة (MODE)، يراد لعالمنا العربي تقليدها والتشبه بأهلها، وفي المحصلة لا نتبع منها على أرض الواقع إلا القشور !!
بل، إن هناك من يتصور الديموقراطية بدعة وافدة من الغرب غير المسلم ، الهدف من استيرادها والمطالبة بها، هو تغريب المجتمع العربي ، وإبعاده عن تاريخه وحضارته وماضيه ، واجتثاثه من جذوره !!
وهناك من كفر الديموقراطية، وكفر بأصحابها وبفكرهم !! حجتهم في ذلك أن الديموقراطية من المفاهيم الوافدة على الشرق والعالم العربي ، وانها دخيلة غريبة؛ ذات مرجعيات تتصادم مه الهوية العربية، والشخصية العربية والماضي التليد...إلخ
موقف آخر عبرت عنه طوائف أخرى؛ تمثل في الجزم بأن الديموقراطية موجودة في عالمنا العربي وفي ديننا الإسلامي ، وذهب هؤلاء إلى وجوب تفعيل مبدإ الشورى فقط ، دونما الحاجة لاستيراد المفاهيم الغربية الأجنبية !!
إن السؤال الهام الذي يتبادر في هذا السياق، هل مارسنا ما يناظر الديموقراطية في عالمنا العربي ؟
هل  أحوالنا تدل على أننا غير محتاجين لهذا المفهوم الوافد من وراء البحار ؟
هل الغرب كله شر ؟
ألم يكن الغربيون سباقين لغزو الفضاء ؟
أليسوا متقدمين حضاريا، على مستوى الحضارة المادية على الأقل ؟
وبالرجوع للحكم والحكامة ، أليست دول الغرب وشعوبه ، الأكثر احتكاما إلى قواعد الصناديق الشفافة ؟
هل أزهقت نفس واحدة خلال استحقاقاتهم الانتخابية سواء لاختيار البرلمانيين، أم لانتخاب رؤساء الدول ؟
هل تضيع حقوق الأفراد والجماعات في الغرب؟
هل يقع التمييز بين الناس على أساس اللون والملة والنحلة والمذهب ؟
لماذا تفوقت دول الغرب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ؟
أليس هناك علاقة بين الديموقراطية والرفاهية والتقدم الذي يعرفهما الغرب وشعوبه ؟
إني أعجب من الذين يسعون لاستيراد تقنيات وتكنولوجيا الغرب، ويرفضون استيراد الديموقراطية التي ساعدت تلك الدول الرائدة على بلوغ المستويات المرموقة في الاجتماع والاقتصاد وهلم جرا ؟؟؟؟
الديموقراطية لو يعلم كثير من الناس في عالمنا العربي، حل مناسب جدا  لأغلب – إن لم نقل كل – مشاكلنا وأزماتنا المزمنة والخطيرة التي تتهدد الإنسان العربي في أي مكان...
لنأخذ على سبيل المثال، ثورات الربيع العربي، التي توجس من سياقها وأبعادها ودلالاتها، الكثير من الملاحظين والمتتبعين في عالمنا العربي، بحجة أنها مؤامرة من الخارج، وأنها تسعى لزرع الفوضى الخلاقة ووو إلخ  ...ربما لا يحتمل السياق والحيز الحالي؛ للتحقق من تلك الظنون والافتراضات التي لاشك لم تصدر عن مراكز بحوث موثقة، ودراسات علمية موثوقة ...لكن لندع   نظرية المؤامرة جانبا، ونتفرغ للبحث في مقاصد الربيع العربي كما تجلت في بعض الدول العربية مثل تونس على سبيل المثال ...ماذا جرى هناك ؟
لقد أزيل النظام الذي ظل جاثما على آمال وطموحات وتطلعات الشعب التونسي لعقود، وقد نال الشعب التونسي حريته في اختيار ممثليه ...وللمرة الأولى شعر أفراد الشعب قاطبة بأن بمقدورهم التصويت إيجابا على مرشحين أو تيارات حزبية سياسية، ثم بعد ذلك أحسوا بأن لهم الحق في العدول عن خيارهم أو اختيارهم ...ذلك ما حصل بالفعل ...فقد صوت الشعب التونسي على حركة النهضة في الانتخابات التي أعقبت سقوط النظام البائد، لكن وبفضل ثمار الديموقراطية الفتية والوليدة التي أرسى الشعب التونسي دعاماتها، فقد حجب الناخبون الثقة عن مرشحي الحركة، ومنحوها لحزب جديد هو نداء تونس الذي يختلف عن النهضة في الفكر والمرجعية ...أليست هذه ثمار الديموقراطية التي بناها التونسيون والتونسيات بسواعدهم ؟
من المؤسف حقا أن بعض المثقفين في عالمنا العربي، انساقوا مع بعض الدعوات المغرضة التي صوبت فوهات بنادقها صوب الربيع العربي، ولم تر في شرارته إلا البؤس والفوضى، والحرائق التي أتت على الأخضر واليابس في بعض الدول العربية التي طال فيها أمد الثورة بفعل تعقيدات المشهد السياسي والتدخل الأجنبي الذي أربك حسابات المنطقة، وأجل الحسم لموعد غير معروف...
إن مناهضي الربيع العربي يستندون على الفشل الذريع الذي منيت به تجربة سوريا واليمن ومصر، وقد رتبوا على ذلك موقفا مفاده أن الديموقراطية لا تصلح للعالم العربي ، وهذا أمر غير صحيح في الواقع ...
إن الديموقراطية يمكن أن تكون حلا ناجعا لمعضلة الطائفية التي تفتك الآن ببعض الدول العربية، لأن الديموقراطية لا تؤمن باللون والعرق والملة والنحلة، إن الديموقراطية تنتصر للإنسان باعتباره قيمة كونية ...والمؤسف حقا أن بعض الناس في عالمنا العربي لم يدركوا بأن الديموقراطية في الغرب كانت حصيلة  طيبة ،ونتيجة فعالة ؛ لارتقاء دول الغرب بالإنسان بصفته قيمة القيم،  وأسماها في الوجود ، لذلك تبنت خيار الديموقراطية من أجل تثمين القيمة الإنسانية للإنسان ..
إننا لن ندرك التقدم المنشود في عالمنا العربي طالما استمر بعضنا في مناهضة بعضه الآخر، بناء على اللون والمذهب والانتماء ...
إن الديموقراطية تنتصر لرأي الأغلبية، ولكنها لا تتسلط على الأقلية، أو تقمعها ، أو  تبيدها ... الديموقراطية تقيد مسؤولية المنتخبين ، وتجعلهم خاضعين للقانون، ومعرضين للمساءلة والمحاسبة ...
إن اللاديموقراطيين في عالمنا العربي هم الذين يخشون الاحتكام للشعب، ولقراراته واختياراته، والشعوب في الغرب، لا تحتاج للخروج في الشوارع من أجل التعبير عن اختياراتها وآرائها ومواقفها من حاكميها، إنها تختزل كل ذلك في عملية التصويت التي تقوم بها خلال عمليات انتخابية شفافة ومنتظمة ...
الصناديق الشفافة يمكنها أن تسمو بمجتمعاتنا العربية، بفعل ممارسة ديموقراطية حقيقية، شريطة أن نمنح الشعوب الحرية في اختيار  مرشحيها، والتعبير عن إرادتها ... الديموقراطية الحقيقية لا تكون بالانقلاب على إرادة الشعوب، أو تزييفها، في حال لم تجر الرياح بما تشتهي السفن ...
اللاديمقراطية وصف يمكن أن نطلقه على كل ممارسة تستند إلى سلطة ما،
من أجل تغيير اختيارات الناخبين، أو تأويلها، أو إلغائها ...أو ممارسة الوصاية على إرادة الشعوب .
في بعض الدول نسمع مطالب لمعارضي الحكومات المنتخبة تدعوهم للاستقالة بناء على موقف من سياسة ما، أو قرار أو سلوك،  تنهجه الحكومة أو أحد أفرادها، وهؤلاء حين يمارسون سلوكهم اللاديموقراطي يتناسون الشعوب التي صوتت على ممثليها في البرلمان ومجالس الشعب، والذين تمكنوا بفضل حصولهم على غالبية الأصوات من تشكيل حكومات ديموقراطية منتخبة بشفافية.
وهم في الحقيقة يتناسون بسبب مزايداهم السياسية على الحكومات المنتخبة، ورغبتهم المؤكدة في إسقاطها، فهم لا يخفون  أمنياتهم  الكبيرة في تنظيم انتخابات مبكرة تسمح لهم بالعودة سريعا إلى سدة الحكم الذي غادروه مكرهين ...
اللاديموقراطية تتجسد في سلوك الردة على المنتخبين بقوة أصوات الشعب، واستعجال إعادة التصويت، وتجاهل مطالب السواد الأعظم من الناخبين ...
إن الديموقراطية حكم الأغلبية للأقلية، لكن هذه الأغلبية كما يشترط في مكوناتها عدم التسلط والتجبر في حق الأقلية، فإن هذه الأخيرة مطالبة باحترام رأي الكتلة الناخبة الأكبر ...
إن الديموقراطية تدفع المرشحين لتدبير الشأن العام للمواطنين، للتنافس في خدمة الشعب ، وبذل الجهد من أجل تلبية مطالبه ورفع الظلم عنه ، كما أن المعارضة تعبيرا منها عن احترام قرارات صناديق الاقتراع، مطالبة بل ملزمة، بممارسة المعارضة الإيجابية؛ التي تنجح الحكومات وتقربها من أصوات المواطنين ، غير أنه مع الأسف ، نرى في بعض التجارب بعالمنا العربي، كيف تحاصر الأغلبية الأقلية وتمنعها من ممارسة حقوقها، وتزدريها بالنظر لعددها، أو عقاب المصوتين لها، لكن الأقلية أو المعارضة أحيانا تزيغ عن مقاصد العمل الديموقراطي، فيتحول سلوكها من الدفاع عن مطالب المواطنين ومصالحهم ، إلى الدفاع عن مصالحها والتحضير للوصول للحكم ، ربما بسلوكات تتنافى مع الثقافة الديموقراطية ...
في ضوء ما سلف،  أعبر عن تفاؤلي الكبير بغد مشرق لعالمنا العربي في مجال الديموقراطية، صحيح أن بعض الممارسات لا زالت بعيدة عن التمثل الموضوعي والحقيقي لماهية الديموقراطية، وكيفية تطبيقها في الميدان ، إلا أنه بالنظر لتصريحنا في البدء؛ بأن الديموقراطية تمرين شاق طويل وصعب ، كل ذلك يجعلنا ندعو للصبر والتأني والتريث قبل اليأس والسأم ...
المهم هو أن شعوبنا العربية بدأت بفعل الفضائيات والانترنيت ، تعي حقوقها وواجباتها ، وبدأت تنظر بعين ناقدة لمجريات الأمور في أرجاء المعمور ...إن الممارسة مهما شابها من خروقات وأخطاء ، قادرة في المحصلة على مساعدة الممارس على تجويد الأداء والارتقاء به ...
medbenlahcen@gmail.com













التحدث بالعربية يرفع الحرارة
لماذا لم تفهموا الوزيرة !!!

في البداية أؤكد براءتي من تهمة انتحال صفة محام، وقيامي في هذه الأثناء بمهام الدفاع عن الوزيرة المحترمة، و التي روي عنها من بعض المصادر الالكترونية التي يعلم الشيخ غوغل وحده، صدق معلومتهم من زيفها، " تصريحها في ندوة صحافية، في الصخيرات، حين أجابت باللغة الفرنسية، وحاولت التهرب من الإجابة بالعربية، بحضور عشرات من الصحافيين، مبدية "تأففها من التحدث بالعربية" كلغة "، العهدة على الراوي. الخبر اليقين هو أنني أنقل لكم هنا ما تناقلته الشابكة بشأن تصريح مسؤولة حكومية، وبالمناسبة، فوزراؤنا هذه الأيام على المحك؛ بسبب ترصد المواطنين لزلاتهم اللغوية والبروتوكولية والشكلية والتواصلية عامة ...الله في عونهم من أعين الرقباء الذي لا يتركون بسبب هذه العنكبوت النشطة، كبيرة ولا صغيرة إلا قاموا بإحصائها، واستعراضها، والنفخ فيها كل بحسب مرجعيته وخلفياته والله أعلم ماتكن الصدور ....
ما أريد قوله لكم بدون لف و لا دوران، هو أنني أردت في هذا البياض وعلى هذا القرطاس، أن أقدم مرافعتي بصفتي من أبناء الضاد البررة والأوفياء، في زمن كثر العاقون للضاد؛ التي أدار لها كثير من الناس من بني جلدتنا قلوبهم، قبل أن ينبذوها وراء ظهورهم؛ بدعوى أنها ظلت راكدة في مكانها لم تبرحه على الرغم من تعاقب الليل والنهار، والسنوات والشهور، وقد نسوا أو تناسوا، أنهم هم من ظل رابضا بمكانه، غير محرك لحركاته وسكناته، قانعا بما تجود به تقليعات الغرب، بعدما أحبوا التواكل والاستهلاك والتقاعس ...وما لغتنا إلا صورة مصغرة عن أحوالنا وأهوالنا وضعفنا وقوتنا !!!!
أعود لما قالته الوزيرة المحترمة ، وما رافقه من شجب وإدانة وانتقاد وجلبة، لأتساءل من موقع المهتم بالشأن اللغوي، فأنا لا علاقة لي بالسياسة والسياسيين، منذ اقتنعت أن التفكير والثقافة يأبيان الانغلاق والتقوقع وسط أسر الفكر الواحد، والرأي الأوحد، والخط المذهبي الصارم للهياكل والأجهزة وووو !!!
إن التفكير جميل، والأجمل منه أن  يكون  تفكرا بلا قيود، بلا حدود، دون أن يلزمك زيد أو عمر بقانون، أو نظام، أو مسطرة وهلم جرا....وما أجمل أن نعمل من أجل الجميع لا من أجل الطائفة والجماعة والحزب الواحد، وهذا رأيي لا يلزم غيري ....ولا أعني اتهام أحد من الناس الممارسين لهواية السياسة، وفق الله الجميع لخدمة الصالح العام .
إن كلام الوزيرة المحترمة ، قد أول منذ سماعه، وذيوعه بين الناس، وبغض النظر عما كانت الوزيرة تقصده، وما رمت إليه، وسواء كان جوابها موقفا مضمرا، أو رسالة مشفرة، أو واضحة لمن يهمهم الأمر، فإنني أقول كما يقول فقهاء القانون، إن البراءة هي الأصل ...ما معنى هذا الكلام ؟
إن تأويل كلام الوزيرة على أنه صون للغة العربية، أولى من تفسيره على أنه نيل من كرامتها وشرفها !!!
سيقول السامعون، كيف قمت بتأويل كلامها باتجاه التبرئة، ولم تحمله محمل الاتهام، أو التوجس على الأقل !!!
أقول والله أعلم، إن مشكلة المتلقين والسامعين في أغلب الأمر، وعلى اختلاف المواقف والسياقات، عائدة إلى النَصِيين الذين لا يبرحون ظاهر النص، أو كما سموا في تراثنا الفقهي بالظاهرية؛ وهم نمط من القراء أخلصوا للمنطوق من النص، وأبوا أن يحملوا الكلام ما يمكن أن يحتمله، وتركوا ما سمي بالقراءة ما بين السطور .
وبالنسبة لفهم تصريح الوزيرة، ألا يقع سوى  في ظاهر الدلالة التي نطق بها تصريحها ؟
وهل نفهم اللغة المنطوقة باللغة فقط ؟
قد يقول قائل، ويمكن فهمها في ضوء المعاجم والقواميس، وهذا رد صحيح، لكننا نفهم اللغة المحمولة على اللسان بالعقول والمنطق بعد التقاطها بالسماع .
ليس في هذا الأمر غموض أو اختلاف، لكن السؤال المحوري التي يطرح نفسه كالأتي:
ألا يمكن أن نفهم اللغة والخطاب بالنفس طالما أننا نتلقاهما بالصوت والفهم والإحساس ؟
قد يقول قائل، وما علاقة النفس باللغة المنطوقة ؟
ألم يقل الشاعر العربي قديما :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقيل أيضا :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده     فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
أرجو أن لا تطوح بنا الأسئلة بعيدا عن حلبة المعنى الذي نريد الوصول إليه، والمغزى الذي نروم إيصاله للقراء وعموم المتلقين .
الشاهد في النازلة أن الوزيرة قالت إن العربية ترفع درجة حراراتها، وحكم بعض المتلقين ، إما بسبب التسرع أو التعصب أو الاندفاع ، على ما تلفظت به ، بأنه قدح في العربية وافتراء عليها ، وإساءة لها ، لكنني أقول لهم بأنني أخالفكم الرأي والمذهب والتفكير ، ليس لكون الوزيرة لم تقصد إهانة العربية ، بل لكوني تلقيت كلامها على عكسكم تماما ، من خلال حاسة الشعور والعرض على النفس ، واختبار القول بالنظر إلى تلمس وقعه في الواقع على جسدي ...بما يتضمنه من مشاعر وانفعالات وهواجس وهموم ومشاغل ومشارب ....
هل جرب أحدكم عند، أو بعد، سماع قولها، أن يقيس درجة حرارة جسمه خلال التحدث بالعربية ؟
لا أقصد إجراء القياس في سياق واحد، مرة واحدة، بل قصدت فعل ذلك داخل، وخلال سياقات متعددة ومتباينة .
أنا عكسكم، أقصد من حمل كلام الوزيرة على النكاية بالعربية والتعصب ضدها لصالح ضرتها الافرنجية ....حين تلقيت الخبر، استفتيت شعوري وإدراكي، فتبين لي أن الخطاب لم يفهم حق الفهم من لدن سامعيه ...
وهنا لابد من الإشارة إلى حال عشتها بعدما نلت الباكالوريا في بداية التسعينات ، وقصدت جامعة محمد الأول بوجدة للتسجيل مثل كل الطلبة الجدد ، كنت هائما تائها، لم أعرف أين المستقر ، فأخذني الفضول للتسجيل بشعبة اللغة الانجليزية على الرغم من معارضة والدي الذي , وإن لم يكن له فقه عميق بمتطلبات سوق الشغل بعد التخرج ، فقد اشمأز  بعد سماع ما ملت إليه ....ربما لإحساسه ببعد ما اخترت عن فطرتي التي رآها وتحسسها ....
حاولت أن أكتشف بنفسي تلك الشعبة،  وذلك بحضور جميع الحصص، أ تدرون ماذا أصابني بعد أقل من أسبوع من الدراسة ؟
لقد أحسست بنفور شديد، لا يرجع  للإنجليزية، ولكن عائد للشعور الذي انتابني خلال حصص اللغة الأجنبية، وقد أحسست بطبيعة تكويني في شعبة الأداب العصرية، وميلي للأدب واللغة العربيين منذ مرحلة الإعدادي، أن ذاتي غير موجودة في اللغة الأجنبية، بل في اللغة العربية ...التي كانت تمنحني التحليق في التعبير وطاقة قاموسية ومعجمية هائلة في الوصف والسرد ....
إنه شعور يشبه ، بل يتطابق مع ما يضاد الحرارة التي وصفت بها الوزيرة شعورها حين تتحدث بالعربية ، لقد أحسست ببرودة كبيرة ، وكأن هناك من يحتجز لساني ويشل حركته عن النطق بسلاسة وطلاقة ....لكن ما أن غيرت الشعبة وذهبت للعربية حتى تغير كل شيء، وكنت كلما طلبت الكلمة في المدرج العامر، أو في قاعات الدراسة، ارتفعت حرارة جسمي وكأنني وأنا طائر في السماء أحلق بأجنحة الحروف في سماء  المهج والأفئدة والقلوب ....وكانت العيون الشاخصة باتجاهي، لا تزيد حرارتي إلا ارتفاعا ...ولا زلت أذكر كيف أسرت إلي إحدى الطالبات؛ أنها حين سئلت عن مواصفاتي من لدن أحد الطلبة في بداية الموسم، قالت إن أستاذنا خطيب جمعة !!!
ربما ، كما استنتجت من كلامها ، من شدة تلك الحراراة التي تجتاحني خلال الانفعال مع اللغة وبسببها ومن أجلها ......
إن تأويل كلام الوزيرة دون عرضه على النفس، وقبل تجريبه ، والإحساس به ، كل ذلك من شأنه أو يقذف بنا في برك الاتهام والظن وهلم جرا ...
طبعا هناك من سيخالفني الرأي وهذا جميل جدا ، لأنه سيأتي بالحجج التي تلزم الوزيرة باحترام لغة الدستور  بوصفها كانت تمثل خلال الندوة الوزارة وتنطق باسمها ، ولم تكن في معرض التعبير عن الرأي الشخصي ....وهذا نفس الحكم الذي قيل في حق وزيرين قدما استقالتهما مؤخرا ، حيث احتج عليهما كثير من الناس بسبب الخلط بين ممارسة الحق في الخصوصية خارج إطار المسؤولية الحكومية ، وممارسته خلال القيام بها ، ورتبوا على ذلك عواقب وأثارا؛ قالوا إنها تسيء للمكتسبات التي حققتها بلادنا في موضوع الأسرة والمرأة خاصة ...
يعيدا عن الأبعاد السياسية ، قدمت ههنا رأيي،  وأقول في الختام، إن اتهام اللغة العربية برفع درجات الحرارة لدى المتكلم الناطق، دليل ساطع قاطع على سحر العربية النافذ للأعماق، وهو سحر محرك لانفعال المتكلم، وهذا سر إعجاب العرب بها ، وإبداعهم بحروفها ، إنها حرارة موجبة وليست حرارة سالبة، حراراة تثير الجسد وتجلب له الدافعية لإخراج مكنونات الضمير ، المعذرة ، إنكم لم تفهموا الوزيرة !!!!


المدرس والتكنولوجيا بين الاختيار
والاضطرار

هل أصبح بمقدور الأساتذة والأستاذات، المدرسين والمدرسات اليوم، في عصر التكنولوجيا الرقمية والمعلوماتية، والهواتف الذكية، واللوحات الالكترونية، الحديث عن إمكانيات المفاضلة بين الوسائل التقليدية والحديثة، في ممارسة عمليات التعلم والتعليم ؟؟
هل يوجد بالفعل اليوم متعلمون، قادرون على مسايرة مدرسين متأخرين عن فقه أسرار التكنولوجيا، ناهيك عن كفاياتهم في الاستعمال والتوظيف والاستثمار ؟
هل لازالت مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية بمختلف أسلاكها، وفضاءاتها، قادرة على استقطاب، واستيعاب، تلاميذ ومتعلمين تصوغ التكنولوجيا، والصورة السريعة المتدفقة، يوميا، وفي كل ساعة، ودقيقة وثانية، أفكارهم، وتقصف عقولهم، والأخطر من كل ذلك، تشكل شخصياتهم الفتية ؟؟؟
هل سيبقى لمدارسنا زبناء من المتعلمين المولودين في عصر الثورة الرقمية، والحوسبة، والشبكة العنكبوتية ؟
هل جربنا تخيير أبنائنا وتلامذتنا، بين الذهاب للمدارس، والتوجه نحو مقاهي الانترنيت ؟
هل حاولنا قياس دافعية التلاميذ نحو قاعات الدراسة التقليدية ذات اللوح الأسود والأخضر وهلم جرا، وميولاتهم نحو القاعات المتعددة الوسائط، حيث التكنولوجيا ووسائلها المتنوعة ، أشد باعا وأوسع ذراعا ؟
أتعرفون جواب ولدي الذي يدرس بالسلك الإعدادي، حين أسأله، ما المادة التي تهوى في المؤسسة التعليمية ؟
يقول لي، تعجبني مادة علوم الحياة والأرض ، فأسأله ، ولماذا ؟
يجيبني بعفوية، إن أستاذة علوم الحياة والأرض تدرسنا باستعمال العاكس الضوئي المربوط بالحاسوب؛ الذي يستخدم برمجايت تعليمية ؛ تعمل بمؤثرات الصوت والصورة ...قلت له وأنا مدرس اللغة العربية، وما الفرق بين وسائل أستاذة اللغة العربية وأستاذة العلوم ؟
يجيبني بالقول، إن اللغة العربية وقواعدها تقدم لنا بطريقة تقليدية تدفعنا للحفظ والاستظهار دون أن نتمكن من استخدام جميع حواسنا ...ودون القدرة على الشعور بالمتعة
هذا مثال بسيط يحكي لنا قصة التعلمات اليوم كيف تجري في حجراتنا الدراسية وبمدارسنا، وإذا لم نبادر لجعل المدرسة مواكبة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وبسرعة لا نقول مماثلة لسرعة الاكتشافات والاختراعات التي تملأ فضاءاتنا يوميا ....فسيأتي يوم تصبح المدرسة خطرا على عقول أبنائنا، وعلى رغباتهم ، وأحاسيسهم ، وعلى اللذة والمتعة الواجب على المدرسة تحقيقها لهم ؛  لأنها ستصبح عاجزة عن جعل التلاميذ / المتعلمين يفكرون بأسلوب من وحي عصرهم، ويستخدمون المهارات والقدرات التي يكتسبونها خارج أسوار المؤسسات التعليمية...هل ستفقد مدارسنا جاذبيتها- هذا إذا كانت المدارس لاتزال تملك جاذبية ؟؟-  في القريب المأمولة بفعل نأيها عن تقنيات العصر الرقمي ؟؟؟
ما أتعس المدرس اليوم ! حين يبصر بأم عينيه كيف أوشك دوره الريادي التقليدي على الانتهاء، وأقصد دوره الذي جعله يعتلي منصة إلقاء المعرفة، والتحكم في روافدها ومصادرها ...
إن التحديات التي تواجه المدرسة والمدرسين الآن، ومستقبلا ، ونقصد المستقبل القريب، ستكون كبيرة جدا، وخطيرة، إذا لم نتسلح جميعا بالتكوين المستمر، والتكوين الذاتي في مجال إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التربية والتكوين ...
بالأمس القريب ، كان المدرسون في وضع قوي، محصنين من أسئلة المتعلمين التي تروم أحيانا التعجيز والإفحام ، بسبب احتكارهم للمعرفة ومصادرها المتعددة ...كان الأستاذ أو المعلم  يملك كتابا يدعى كتاب الأستاذ ، يتضمن الدروس والتمارين مع حلولها ...كتاب ليس للتلميذ إليه سبيل، فكان المدرسون يبهرون، ويقودون الفصول الدراسية والعقول التي بداخلها، سواء بسلطة العصا ، أو بسلطة العلم والمعرفة، أما اليوم وفي ظل هذا السيل العرم من المعلومات والمعرفة المنهمرة كالشلالات المديدة والعميقة، سيحس المدرسون، وعليهم الإحساس ، بخطورة الموقف، وجلال السياق ، ووجوب انقاذ الموقف قبل فوات الأوان ....

إن المدرسة والمدرسين الآن في وضعية المضطر لا في مقام المخير بين المنهاج الورقي والمنهاج الرقمي ، فهل قمنا بما يلزم ، لمد العون له ؛ ليبحر في دروب المقررات الرقمية، ويزاول مهام المدرس الرقمي ؟؟